ابن أبي الحديد
42
شرح نهج البلاغة
بن معاذ ، ثم قال : يا أم سعد أبشري وبشري أهليهم أن قتلاهم قد ترافقوا في الجنة جميعا وهم إثنا عشر رجلا ، وقد شفعوا في أهليهم ، فقالت : رضينا يا رسول الله ، ومن يبكى عليهم بعد هذا ! ثم قالت : يا رسول الله ، أدع لمن خلفوا ، فقال : اللهم أذهب حزن قلوبهم ، وآجر مصيبتهم ، وأحسن الخلف على من خلفوا ، ثم قال : لسعد بن معاذ : حل أبا عمرو الدابة فحل ، الفرس ، وتبعه الناس ، فقال : يا أبا عمرو إن الجراح في أهل دارك فاشية ، وليس منهم مجروح إلا يأتي يوم القيامة جرحه كأغزر ما كان ، اللون لون دم ، والريح ريح مسك ، فمن كان مجروحا فليقر في داره وليداو جرحه ، ولا تبلغ معي بيتي ، عزمة منى . فنادى فيهم سعد : عزمة من رسول الله صلى الله عليه وآله ألا يتبعه جريح من بنى عبد الأشهل ، فتخلف كل مجروح ، وباتوا يوقدون النيران ويداوون الجراح ، وإن فيهم لثلاثين جريحا ، ومضى سعد بن معاذ مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بيته ، ثم رجع إلى نسائه فساقهن ، فلم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وآله ، فبكين بين المغرب والعشاء ، وقام رسول الله صلى الله عليه وآله حين فرغ من النوم لثلث الليل ، فسمع البكاء فقال : ما هذا ؟ قيل نساء الأنصار يبكين على حمزة ، فقال رضى الله تعالى عنكن وعن أولادكن ، وأمر النساء أن يرجعن إلى منازلهن ، قالت أم سعد بن معاذ : فرجعنا إلى بيوتنا بعد ليل ومعنا رجالنا ، فما بكت منا امرأة قط إلا بدأت بحمزة إلى يومنا هذا . ويقال : إن معاذ بن جبل جاء بنساء بنى سلمة ، وجاء عبد الله بن رواحه بنساء بلحارث بن الخزرج ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما أردت هذا ، ونهاهن الغد عن النوح أشد النهى . قال الواقدي : وجعل ابن أبي والمنافقون معه يشمتون ويسرون بما أصاب المسلمين ، ويظهرون أقبح القول ، ورجع عبد الله بن أبي إلى ابنه وهو جريح ، فبات يكوى الجراحة بالنار حتى ذهب عامة الليل وأبوه يقول : ما كان خروجك مع محمد إلى هذا